قيةرا: نشرة دينية ثقافية،حضارية،إخبارية تصدرها الرسالة الكلدانية في إنكلترة-الأب حبيب هرمز

العدد 65  السنة 13 كانون الثاني - شباط2004

38 Cavendish Avenue. Ealing,London,W13 0JQ

 (E-mail: Fr_habib@yahoo.com) Tel-Fax:02089976370

مبروك انتخاب وتنصيب غبطة أبينا البطريرك

 مار عمانوئيل الثالث دلي

وتمنيات الجالية الكلدانية في انكلترة له بالصحة والعافية،

وكل عام والكنيسة والعالم بخير

أيها الأحباء

أصدر الأب (المطران حاليا) اندراوس أبونا –بإسم الرسالة الكلدانية والسريانية الكاثوليك في المملكة المتحدة- العدد الأول من نشرة (القيثارة) بتاريخ أيلول1992.

وقد استمر اصدار النشرة حتى بعد سيامته الأسقفية المباركة في 6كانون الثاني 2003، حيث أصدر العدد (64) للفترة من تشرين الثاني –كانون الأول2003.

وبعد أن تم تعييني مسؤولاً عن الرسالة الكلدانية ، وانتقال سيادته إلى بغداد ، يسعدني أن اصدر بعون الروح القدس ، وعونكم ، العدد الجديد (65) متضرعاً إلى الرب كي يديم نعمه الغزيرة علينا جميعاً، وشاكراً له على بركاته التي لا حد لها .

نؤكد أن الهدف من النشرة هو تقوية حياتنا الإيمانية ، والدينية ، والثقافية ، والإجتماعية،وكل الأبعاد الأخرى ، كي نكون نوراً يشع ثمار الإيمان والرجاء والمحبة، ويعلن تراثنا الحي ، وتتفاعل عبر صفحاتها أفكار الكثيرين لتجد آثار أصابع الله على وجه الأرض أينما كنا، ونساهم في انماء ثقافة الانسان، ونتواصل حضارياً مع جذورنا ، وأفقياً ترفرف أغصان شجرتنا الطيبة كي تكون شاخصة تسهل رؤيتها للناظر الينا ، فيرى أعمالنا ويتذكر المسيح .

إن العالم اليوم بحاجة ماسّة إلى تذكر كل ما يمت للرب بصلة، فالأخلاق المسيحية، والعائلة المقدسة، والقيم النبيلة التي عمل الرب للتأكيد عليها، وغيرها ، إنما هي قضايا نحملها في أعماق كياننا، ونعمل ونصلي كي نعيشها، لأنها من جوهر عيش الإيمان في زمن الإلحاد النظري والعملي .

نرجو عونكم لتطوير النشرة ،فأنتم الوسيلة والهدف .

ارسلوا نتاجاتكم على العنوان التالي :

Fr. Habib H.   38 Cavendish Avenue   Ealing , London W13  OJQ Tel-Fax : 0208-9976370

   
 

 

                                                                         

                                                                         إلهي القدوس المبارك                                                                              

                                                                                               أبا ربنا يسوع المسيح مصدر الحياة والنعمة    

أقدم لك ذاتي،هيكلي،جسدي المائت الموضوع في قبر الحياة .

إلهي أتوسل إليك أن تعّجل قدوم اليوم الثالث،

وأن تعجّل فعلك الإلهي، وبعث قيامتك فيّ.

فأنا لا زلت في القبر أنتظر من يدحرج عنّي الحجر،

فأنا من وضع الأحجار والحواجز أمامك دون أن أعلم.

لكني اليوم مؤمن ومتيقن إن " ما هو ليس بمستطاعي هو مستطاع عندك"

فأنت القادر القوي، وأنت القيامة والحياة،

أزجر فيّ الموت، وأبعث فيّ الحياة .

بك تزهر الأغصان اليابسة،

وبك يتفجر الماء في الينابيع اليابسة،

وبك يفترش الضياء حياتنا الدامسة،

وبك نكون...

إلهي .. رجاء المائتين..إجعل إبنك الذي أقمته،

يدك القديرة التي تدحرج عنا الأحجار وتأخذ بيدنا لنقوم لك.

لنسبحك ، ونمجدك ، ونعظمك على الدوام

نطلب ذلك بإسم المسيح "القيامة والحياة"

آمين

 

الفنان الدكتور وسام مرقس

بعد أسرار الفرح ، والحزن ، والمجد:

من أسرار الوردية

أسرار النور

أيتها العذراء البتول ، يا من جعلت ابنك الحبيب يسوع أخاً لنا ، رافقينا في صلاة الوردية هذه ، لنتأمل معاً في حياة المسيح المخلص ونقتدي به ، فهو نور العالم، ومنير العالم الغائص في الظلمات التي تمنع عنه حقيقة الأيمان 0 يا أمنا مريم ، يا أم المسيح والكنيسة والمشاركة الرئيسية في عمل الخلاص منذ فجر المسيحية، لنتأمل معك في هذه الصلاة متذكرين أسرار المسيح ورسالته الخلاصية . هو الذي أشع ويشع نوره الحي الكامل والنهائي على الإنسان والعالم 0

    السر الأول " عماذ يسوع في نهر الأردن " :

حينما سمع صوت الآب من السماء يقول :" هذا هو إبني الحبيب الذي به سررت "، فإنّ الآب بهذا يريد أن يظهر رسالة ابنه إلى العالم 0 نطلب منك يا أمنا مريم أن تساعدينا كي نحيا وفق مشيئة الآب، وإخوة للإبن لتكميل رسالتنا في هذه الحياة، ومثالاً صالحاً لإخوتنا البشر آم0

( لنقل مرة أبانا وعشر مرات السلام ) 0

أبانا الذي في السماوات…    السلام عليك يا مريم…

السر الثاني " ظهور يسوع كصانع المعجزات في عرس قانا " : 

إنّ هذه المعجزة، هي علامة لتجلي وتقديس كل الحقيقة المخلوقة، وفوق كل شيء؛ الشخص البشري ، وقد تم هذا التجلي بواسطة إبن الله0 إنها أعجوبة بعثت الأيمان في التلاميذ ، الإيمان بالإله الحقيقي0 أيتها العذراء القديسة يا من كنت واسطة لتحويل الماء إلى خمر في قانا الجليل 0 ساعدينا لنتحول بكليتنا نحو المسيح، واطلبي لنا قوة الأيمان لنعيشه ونظهره للجميع آمين 0

( لنقل مرة أبانا وعشر مرات السلام ) 0

السر الثالث " إعلان ملكوت الله بالأمثال والعلامات الخلاصية" :

إنّ حياة يسوع العلنية وكرازته ، هي سر حضور إلهي0 يا أمنا مريم علمينا وساعدينا لنجعل من حياتنا كرازة مستمرة كي نقدم للجميع يسوع المسيح المخلص ونبشر بملكوته 0  آمين0

( لنقل مرة أبانا وعشر مرات السلام ) 0

السر الرابع  " تجلي يسوع فوق جبل طابور " :

يذكرنا هذا التجلي بالأحياء والأموات بواسطة موسى وايليا وينبئ بالمجد المعد لنا بعد الموت0 أيتها العذراء القديسة ساعدينا لكي نعمل دوماً للمجد الأبدي ، لكي لا نتعلق بخيرات هذا العالم ولكي نصبح نوراً للعالم ونعمل ضد الخطيئة، والظلم، والانقسامات، والحقد، ليسود السلام، والمحبة، والتآخي بين البشر آمين 0

( لنقل مرة أبانا وعشر مرات السلام ) 0

السر الخامس " تأسيس الأفخارستيا " :

 إنّ هذه الهبة العظيمة من المخلص للبشرية، هي عربون محبته لنا، وعلامة للوحدة بين البشر، وهذا السر يلخص كل الأسرار التي وضعها يسوع في كنيسته المقدسة، كوسائل لخلاص الجميع0 أيتها العذراء القديسة ساعدينا لكي نأخذ سر الخلاص هذا بكل استحقاق، ساعين لوحدتنا، ومقدمين حياتنا معه لأجل أخوتنا . آمين 0

( لنقل مرة أبانا وعشر مرات السلام ) 0

    أيتها العذراء أمنا القديسة :

امنحي لحياتنا القيمة الروحية بتلاوتنا هذه الوردية ، ولتكن تعبيراً عن التزامنا المسيحي بالكرازة الجديدة في هذا العالم ، الذي يبتعد شيئاً فشيئاً عن الله ، ويميل نحو وثنية مهلكة متخبطاً بالحروب والانقسامات، مخترعاً وسائل تؤدي بالإنسان إلى الهلاك 0 فلتكن هذه الصلاة رفيقنا نحو السماء وتنجينا من مخاطر هذه الحياة. آمين0

 

الطفل

            لقد اعتبر يسوع الطفل رمزا" لعيش كل من يبغي ملكوت السماوات ، حيث أصبحت المسيحية الحقة شبيهة بالطفولة والإنسانية البريئة النقية القلب 0

إن الطفل هو كائن بسيط غير معقد لأنه لم يتأثر بعد ببيئته، ولا بانتماءات أبويه، ولا بثقافاتهم...إلخ0

            الطفل وديع، وعفوي، لا يعرف المرارة، ولا الحسابات الشخصية، ولا العادات والتقاليد 0

 نتعلم منه التواضع ، فهو لا يتباهى لأجل الرفعة وبغية المناصب ، ولا يتنافس منافسة قد تعرضه إلى اللااخلاقيات0

لكن المشكلة في عالمنا هي، إن الناس تحترم القوي ، لذلك لا ينال الطفل حصته من الاحترام إلا من قبل من امتلك قيم وأخلاق المسيح 0

            لذلك دعا الكتاب المقدس إلى احترام الطفل ، فهو حسبه تاج الشيخ ( سفر الأمثال ) رغم انه ( أي الطفل ) ناقص بحاجة إلى الآخر. وهكذا يكون الطفل محظوظاً، فهو حبيب الله ، حيث اعتبر الله كل بني إسرائيل مثل الطفل0

            والرب عند دخوله أورشليم تذكر الآية التي أشارت إلى تسبحة الله من فم الأطفال والرضع ! عندما رأى جموعهم تهتف بحياته وهي نتذكر صموئيل الصغير العمر وداود الفتى (طالع الكتاب المقدس :سفر صاموئيل)0

            لقد وجد أحد العلماء انه خلال 3428 سنة لم يتنعم الناس بالسلام سوى لمدة 268 سنة ، أليس هذا لأننا نحن البشر لا نريد أن نكون حملة روح الطفل ؟       

أفكار عن  الطفل   

عندما يأتي الطفل إلى الدنيا ، يكون كتلة من الأنانية، يريد ان يستحوذ على أي شيء، وهو بحاجة ماسة إلى الإحتضان والرعاية.  وعندما يتجاوز السنة الثانية ، يكون مستعداً للتعلم والتوجية،شرط أن يتناسب ذلك مع قدراته العقلية.

ولعّل استخدام الحواس من أهم الوسائل التعليمية ، حيث يبدأ بالتحول من عالم الحواس إلى العالم الخارجي ، حيث الرموز الطبيعية ،والفكر البدائي، فمثلاً يمكن شرح القيامة للطفل من خلال رؤية مشاهد الحصاد حيث الثمار تجنى بعد زراعة متعبة ومرهقة، ويمكن أن يفهم كون الخبز رمز حي لجسد الرب عندما يرى كون نتقاسم خبز المحبة يوميا كي نحيا.

وفي هذه الفترة يمكن تعليم الطفل الصلاة ، خصوصاً التلقائية بعد تعلمه لكلمات محيية مثل كلمات : يسوع ، محبة، الله، صديق ، ... يرافقها تعلم علامة الصليب ومشاهدة الصور واللوحات الدينية، وسماعه الموسيقى الكنسية مثلاً .

وهو في هذه الفترة نشيط، حرك ، صاخب،حساس، ينام كثيراً، لذلك علينا الإنتباه إلى ذلك فنعلمه بكلمات قليلة ، وجمل صغيرة ، وأن تكون أعيننا بمستوى عيناه كي نقلل الفارق بيننا وبينه، والإنتباه إلى أنه يملك قاموساً قليل الكلمات، فلا داع لكثرة الكلام معه ، وما سيتعلمه عن الله هو مثل ما نعلمه نحن ، فأعتقد أنه من الضروري تعليمه أولا الحياة الجماعية ، وأهمية الرموز ، وحسن الإصغاء ، والشعور بالأمان ، وعدم إخافته ، أو طرح أسئلة تعجيزية عليه ، بل يجب محاولة الأجابة على أسئلته عن طريق مساعدته للتفكير من خلال رموز الطبيعة .

أخيراً فإن وجود الأب والأم حوله لهو شرط ليفهم معنى العائلة مثلاً ، وإذا كان هناك جد أو جدة فهذا شيء رائع لأنه سيتعلم الإهتمام بالجذور كي تكون له أغصان مستقبلاً.   

ضمن خطة النشرة:    *متابعة المواهب الكثيرة لأبناء الرسالة.

* الإلتقاء بالعائلات العريقة في انكلترة.

*نشر مساهمات القراء الأعزاء.

*نشر خلاصات لجهود علمائنا العلمية .

*الحوار مع اخوتنا في الكنائس الأخرى.

*توفير الكتب والمجلات والأقراص الليزرية والكاسيت في متناول أيدي القراء.

النشرة بإنتظار مشاركاتكم النشطة في تحريرها ودعمها مالياً ومعنوياً

 

 

لمناسبة الصوم الكبير

تأمل في قراءات  الأحد الرابع من الصوم

 
  تأمل في الصوم

 

الصوم في الكتاب المقدس هو :

حل قيود الشر وفك ربط النير

واطلاق المسحوقين أحراراً،وتحطيم كل نير؟

أليس هو أن تكسر للجائع خبزك

وأن تدخل البائسين المطرودين بيتك

وإذا رأيت العريان أن تكسوه

وأن لا تتوارى عن لحمك؟   أشعيا 58: 6-7

 

            إن قراءات هذا الأحد هي دعوة إلى عيش الحرية على أساس كرامة الشخص البشري المحب.

عندما نقرأ في التوراه( العهد القديم) نلاحظ إن جيش يشوع بعد انتصاره يقوم بجمع الغنائم وخزنها مما أدى إلى خسرانه المعركة0

            وعندما نتأمل في رسالة مار بولس ،نراه كيف يلح على ضرورة الابتعاد عن العيش حسب الجسد، رغم ما يتطلب ذلك من الإحساس الذاتي السلبي بين فترة واخر0وهكذا في القراءة الثالثة (من الإنجيل)، يحذر الرب من خطر اللامبالاة تجاه جوهر الحياة، أي أن نهتم بحجر الزاوية في بناء حياتنا وعائلتنا0   

            إن كل هذه القراءات تناشدنا كي ننتبه إلى خطر الاعتداد الزائد بالنفس، والاعتقاد بالقدرة على ذاتية صياغة مفهوم الكرامة الإنسانية،ومفهوم الحرية الشخصية، والحب تجاه الأشياء،دون أن يرافق ذلك الأيمان بجوهر ديانتنا وهو التمسك بحجر الزاوية (يسوع صخرتنا)،وبقوة الروح القدس الذي يوجه حياتنا0

            إن أيماننا وديانتنا تدعونا إلى مفهوم للحرية يرتبط بتلبية شروط الحياة الجماعية،وتحويل الأنانية إلى أنا فعالة إيجابية نتيجة للتفاعل مع الآخر، وهذا التعلق بالرب يبدو واضحا في الاعلان (إعلان الإيمان)،والاحتفال به، واقتسامه. فبالرب نوجد ونحيا ونتحرك0والقداس هو اروع مناسبة لتفعيل ذلك، وألا سنصاب بالقلق اليومي الذي يصيبنا - بحسب اللاهوت الألماني(تيليخ)- بسبب انفصال الانسان عن أخيه الانسان،لا بل انفصال الانسان عن نفس0فيدعونا (تيليخ) إلى الحب كقوة خارجة من المؤمن مثلما تخرج من حجر الزاوية (يسوع) وروحه اليوم ، لتقوي الجدران وهكذا يحيا المسيح فينا0

يقول الكتاب : "اليوم إذا سمعتم صوته ، فلا تقسو قلوبكم"

اخترنا في موسم الصوم أن نتأمل في نص كتابي يفيدنا كثيراً هذه الأيام، انه (متى 15: 21-38) حيث يتقدم رجل ليقدم ابنه ليسوع. إن هذا الرجل كان يكشف لنا عن إيمانه بان للحياة معنى لأنه يطلب الشفاء من الرب0

لقد كان متأثرا بالقمر ، واليوم نحن نتأثر بأقمار عديدة، فهل نطلب من الرب أضعاف ما كان هذا الرجل يطلب 0

            أكد الرب على الصوم والصلاة، واليوم ما هو دور الصوم والصلاة في حياتنا؟. نتضايق كثيرا، وضغوطات الحياة لا تعد ولا تحصى : هناك مؤثرات سمعية بصرية ،ورغبات التفوق على الآخرين ، وهوس الثروات المادية،والهجرة،وضغط التقاليد والعادات ،وتأثير البيئة المحيطة بنا،وتداخل الثقافات،والانتماءات العديدة 000 الخ،فالرجل أيام يسوع كان له هدف واحد واضح ، أما اليوم فالأهداف عديدة، وكثير منها غير واضحة وغير محدودة 0 لذا نلاحظ تعب إنسان اليوم بسبب صعوبة التمييز بين المعقول (كتأثير قمر) القمر هنا رمز لما يؤثر علينا مثل الفضائيات، والفلوس والهوس اللذات، والكماليات التي لا تحصى ولا معقولية أقمار اليوم ،ثم أن الرجل أيام يسوع كان قد حقق مستوى إيمانيا انضج، لأنه استغل مرضه ليقوي إيمانه ، لكن اليوم هل هذا يحصل؟ هل نعطي معنى لما نعانيه ؟

            لا ننكر وجود صراع كل يوم بين الإيمان والعقل ،فنحن كثيرا ما ننحاز للعقل بحجة التقدم الحضاري ،ولكن الإيمان بالمسيح عبر العقل هو خطأ أخلاقيا كما قال القديس توما 0  إن فترة الصوم مناسبة للتأمل العميق في معنى وجودنا، ومصير حياتنا في النهاية ، وهل نحن مسيرين من قبل البعض؛ أم فعلة في حقل الرب؟ وهل نستطيع نقل إيماننا إلى الجيل الجديد؟ .هل نختار الخير في نشاطاتنا اليومية؟. هل نخدم الآخرين لمجد الرب؟. هل استثمرنا مواهبنا لأجل يسوع؟ هل نستطيع أن نجاوب على تساؤلات عالم اليوم؟ من هو يسوع بالنسبة لي؟هل نحن ناضجون إنسانياً؟ ...أسئلة كثيرة جداً ، نطرحها عليكم أيها القراء لنستعد جيداً للقيامة المجيدة، قيامة الرب ، وقيامتنا نحن أيضاً، آمين

           

 

 

 

 

الطوباوي أنيبالييوالقداسة

(ايطاليا1851-1927)

 

(ملاحظة : هذه مقدمة كتاب عن الطوباوي أنيبالي،كتبها الرئيس العالم لرهبنة الروكاسيونستي المهتمة بالتثقيف المسيحي في ايطاليا للأب المرحوم يوسف حبي سأقوم بنشره قريباً، تعتبر شهادة عصر لقديس من بيننا يدعونا اليوم إلى القداسة أيضاً – الأب حبيب)

 

  من هو القديس؟ وما القداسة؟ هل هما سرّ ، أم شيء لا يدرك؟

  لا ريب ان كلاّ منا يحاول ان يعطي جوابا وفق خبرته وحسّه. انما من يحاول ان يجيب على مثل هذه الاسئلة، هو وحده من يكشف عن "اوراقه"، يرسم ذاته، او يوحي على الاقل بالرحلة التي تبدو له اكثر ضمانة للوصول الى الهدف. اننا نعتقد انها حال الاب انيبالي ماريا دي فرانجا.

   انه هو نفسه، في التأبين الجنائزي للاخت ماريا لوسيا من دير نجمة الصبح في نابولي، الذي تفوه به عام 1907، ترك لنا، لااراديا، شهادة عن مفهومه للقداسة وخواصها.

" ما هي ، يا ترى ، قداسة نفس ؟ ويجيب: يقول الرسول: انها ارادة الله، "فان مشيئة الله انما هي قداستكم" ( 1 تسل 4، 3).

"بحسب نظرة البعض السطحية، لا يوجد قداسة فائقة الا ان كانت محاطة بتركيبة عظيمة من افعال توبوية صارمة، واعتـــــلان كبير لافعال واعمال سامية، ومردودات واعاجيب من الدرجة الاولى.

"  ان هولاء لمخدوعون. لان القداسة الحقة هي الاتحاد التام، حتى الفاعل، لارادتنا مع ارادة العلي، بفضل حب خالص لله، مع الهدف الاوحد المستقيم لارضاء جلالته الالهية.  واذ تبلغ النفس هذه الحالة السعيدة، فانها لا تتوخى شيئا آخر سوى البقاء في خفاء حبيبها الذي يعمل احيانا حتى على اخفائها عن ذاتها نفسها.

   "وعندئذ لا نحتاج الىالقيام بمعجزات عظيمة، وايقاف سنن الطبيعة، لان النفس بتقديمها ذاتها كليا لله، تكون قد قامت باعظم معجزة، وبوسعها ان تقول عن نفسها: ان كل مجدها هو من الداخل ( مز 44، 14)، كما بوسعها ان تقول ايضا: ان حياتي هي مخفية في المسيح ( انظر كول 3،3).

   "انما الشجرة، بحسب قول المسيح يسوع، تعرف من ثمارها؛  لذا فبقدر ما تكون بسيطة ومخفية،هكذا تكون رفيعة قداســـــــــة النفس، ولو انه لا بد لبعض الملامح، في بعض الحالات، ان لا تبدو آثارها واضحة. ان الاختلاء الباطني، ونظرة العقل المحدقــــة باللــه  دوما، والارادة الراسخة في المشيئة الالهية، والنيّة المستقيمة، والنقاء غير المعيب ، هذه كلها قداسة سامية، دفينة ومخفية داخل الروح، سرعان ما تشع في الخارج...

   "ان ما ليس بوسعه ان يبقى مخفيا، مهما كانت جهود النفس لاخفائه، هي هذه النار المضطرمة بالحب الالهي"  (دي فرانجا، ص 131-133)

   لدى قراءتنا حياة الاب أنّيبالي، ولدى محاولة تركيب مسيرته الروحية، نلقانا امام مفاجأة عذبة لانها متجاوبة كثيرا وهذه التصورات والافكار، والافضل ان نقول بانها كانت افكار الكمال التي حاول الاب انيبالي ان يقتفيها ابّان حياته على الارض،  انه واحد من بني البشر، كالآخرين، وبكلمات بسيطة، انه لم يولد قديسا. لقد اجتهد ان يتفهّم يوما بعد يوم ماذا يعني وجوده في علاقته مع الالهي،  دون ان يسعى لاجهاض التساؤلات التي تقلق الشبان، محاولا الاجابة عليها من خلال البيئة، الكنيسة، الثقافة، بالحس والطبع اللذين يتيحان ذلك.

   هكذا، فهم أنيبالي، ما بين افكار تقليدية والحدس، انه من الضروري تأشير هذا المثال الذي سوف ينمو وينضـــــج في داخله.

انه اذن انسان، ذو طبع، وصفات عالية، كما انه ذو نقائص. اختار الكهنوت طريقا يسلكه سعيا نحو كماله. وناضل يومـــــــا بعد يوم دون ان يفقد البتة اليقين الثابت بان الرب هو الى جانبه على الدوام، وانه يمدّ له يده.

   فالقديس هو من يجتهد لكي يحقق فيه الانسان الفردوسي، اي آدم قبل سقطته، الذي كان يتحدث الى الله بحرية، ذاك الانسان الذي جاء المسيح لكي يفتديه بتأنسه.لقد كانت القداسة اذن هي حياته.

   "واني لمقتنع بان الخوري دي فرانجا قد كان دوما في حضرة الله، وان كل ما فعله، انما فعله لله ومع الله. نرى ذلك في عمله، اذ ان صلاته امام القربان، او الوعظ، او الاعتراف، او ردّ معاند مسكين، او اشباع او اكساء طفل،  كلها شيء واحد"  (دعوى التطويب ، 2، 288 ه 2).

   ماذا يقول المونسنيور انطونيو دي تومازو اسقف اوريا، الذي اتيح له ان يتعرف عليه اكثر من عشرين سنة؟ : الحياة التي نقدمها هي محاولة بناء حياة الاب انيبالي، ابن زمانه وارضه، حياة شخص بنى الذات بتواضع وقداسة.

   انسان نارّي، شاعر، حالم، قارئ ، هائم بحياة متصوفين ، موجود بين الفقراء  ومن هم  على الهامش  من الحياة، الاطفال، والجهال، لانه فيهم رأى يسوع نفسه الذي رفعه في القربانة فــــي الاحتفال الافخارستي.

   انه شاعر عني بامور عملية، وهو انسان كان له الاحترام الكبير، بكل شجاعة، بالكتابة والقول ، ليعبّر عن كل ما يفكر به، وامام الجميع.

   لتفهّم هذا الانسان، كان من الضروري الانطلاق من البيئة الواسعة التي انجبته، ومن الوسطين الاجتماعي والثقافي اللذين سلك، وحتى تضييق الرؤية، تدريجيا  ومن خلال شواهد ووثائق، مؤشرين وجوده الارضي.

   لقد عاش وعمل في حقبة تاريخية، انما مثاله، شعاراته، وطموحاته فهي ابعد من المسافات والزمن.

   بوسع البع