كارل راهنر: الرجاء في كنيسة المستقبل

 

الأب حبيب هرمز النوفلي

لندن تموز2006

 

 

مقدمة

تعرفنا على اللاهوتي كارل راهنر منذ الثمانينات عبر معجمه عن اللاهوت الكاثوليكي. فمن هو كارل راهنر، وما هي رؤيته الروحانية لكنيسة المستقبل، ولماذا علينا أن نهتم بكتاباته؟ هذا ما سأحاول أن أستعرضه عن هذا اللاهوتي الكبير الذي لمع نجمه في الكنيسة الكاثوليكية بعد إنعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني ولازال بعد أن لمست الإهتمام الكبير به في أوساط الكنيسة الكاثوليكية الغربية.

 

يعتبر كارل راهنر واحد من أعظم اللاهوتيين الكاثوليكيين في القرن العشرين. ولد في مطلع القرن العشرين في المانيا ودخل الرهبنة اليسوعية سنة 1922 ورسم كاهنا سنة 1932. عمل مستشاراً أثناء إنعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني. وحتى وفاته في سنة 1984 كتب عدداً لا يحصى من المقالات والكتب .

 

أسس روحانيته

قبل التطرق الى رأيه في كنيسة المستقبل، ولأن هذا الموضوع يتطلب مقدمة في روحانية أبناء الكنيسة، علينا ذكر نقاط روحانيته الخمسة، لأن رجاءنا يتطلب أولاً إمتلاكنا لقدر من العلاقة مع الروح القدس؛ مرشدنا، ومعزينا في مسيرتنا خلف الرب يسوع.

يؤكد راهنر على أن قلب المسيحي يجب أن يمتلك: (1) الإيمان بالله، وأن (2) يعيش روحانيته ضمن الحياة اليومية، وأن (3) يصلي صلاة القلب المطيع لله، أن (4) يحب القريب  مثل محبته لله، وأخيراً أن (5) يكون  له رجاء بالمستقبل.

نلاحظ إن راهنر يركز على خمسة امور أساسية : الإيمان، خبرة حضور الروح القدس (الروحانية)، صلاة القلب، وصية يسوع حول المحبة، الرجاء. إن هذه الحقائق المسيحية الخمسة تعاش معاً في كل زمان ومكان وهي مقياس حقيقة كوننا مسيحيين في هذا العالم. 

لقد اعتبر الكتّاب راهنر مرشدا روحيا كبيرا في القرن العشرين لما له من أثر في مسيرة الكنيسة وهي تجتاز فترة تحول العالم من العصرنة الى ما بعد العصرنة، وتأثيرات العولمة، وإنهيار القطب الشيوعي، وهجوم الإلحاد العملي على كل مفردات الحياة في مناطق واسعة من العالم، وظهور أشكال جديدة من الوثنية!

ولكني ساركز فقط على فكره الخاص بمستقبل الكنيسة وهي في العالم تجاهد لإحضار وعيش القيم المسيحية.

 

كنيسة المستقبل

 يؤكد راهنر على ضرورة أن تتحمل الكنيسة المسؤولية. صحيح هي كنيسة القديسين، ولكنها أيضاً كنيسة الخطاة الساعين لله. وكي تستطيع الكنيسة العمل، هي بحاجة الى توسيع أفق رؤياها للأمور. إن الإيمان بالمسكونية، أي العمل الجماعي الواسع، يفتح الباب واسعاً للروح القدس. الكنيسة اليوم بحاجة الى وسائل جديدة لتنمية العلاقة بين المؤمنين، وهذا يعني عالمية الكنيسة لأن مؤمنوا كل كنيسة أصبحوا منتشرين في بقاع العالم المختلفة. إن حقيقة عالمية الكنيسة تعني تعدد وتنوع اشكال الممارسات الدينية وسط العلمنة الرافضة لها ولكنه يؤكد إنه حتى العلمنة بحاجة الى الأنسنة.

 

المسيحية لها جانب باطني واجتماعي حضاري، فالمؤمن له جانب باطني موروث من التقليد وخبرة الأجيال السابقة، وله جانب إجتماعي يتكيف حسب محل العيش وموقع الكنيسة التي يمارس إيمانه. ولكن محبة الله والجار تبقيان وصيتان ثابتتان الى ختام حياة المؤمن. لذلك فالكنيسة تتحمل مسؤولية ديمومة هاتين المحبتين بنشاط في العالم بالإستفادة من كل النشاطات حتى السياسية، والمجمع الفاتيكاني الثاني كان مجرد البداية. هذا على الرغم من أن الكنيسة تبدو في العالم وكأنها في منفى ! ولكن لماذا لا تساهم في تنمية الفكر الإنساني ما دامت كنيسة خطاة أيضاً وبحاجة الى تنمية ذاتها.

 

تستطيع الكنيسة إنشاء علاقة إيجابية بين الإيمان والثقافة العلمانية من خلال التوازن بين الإلتزام الكنسي والحرية الشخصية مثلا احترام كلا الصلاة الخاصة والطقسية؛ وفهم الحرية على أساس إنها تعني إختيار الله أو رفضه.

أكد راهنر على خطر تحويل الدين الى نشاط سياسي، أو جعل العلاقة مع الله عاطفية. ولكن أكد على النتائج الإجتماعية والسياسية في حياتنا اليوم؛ فالسلام حسبه هو نتيجة للعدالة . فالعمل لأجله يجعلنا نرى كيف هي مؤسسات العدالة في المجتمع، وكيف إن الظلم قد تأسس فيها، فيجب التغلب على تجربة اللجوء الى  العزلة عن المجتمع، ولكن تحسين المناخ السياسي وتقريب وجهات نظر الأحزاب السياسية. وهذا يعني مثلاً: التغلب على الأنانية في التعامل، أي يجب الرجوع الى كلام المسيح في أن نعامل الآخر كما نريد من الآخر أن يعاملنا، واحترام حق الإعتراض الواعي. 

 

من هو محب السلام ؟ يقول راهنر إنه من يرغب في تغيير وجهة نظر ما، من يقبل بحقيقة الهزيمة عندما تنقسم الآراء، من يمتلك الشجاعة ليقول لمعارضه "لك الحق"، من يتأدب ويصبر تجاه شخص متهيج. إنه يحث العمل لإبداع السلام بشكل عمل كونكريتي بدل تجريد التوقعات. راهنر هنا يحثنا على إقتراح طرق جديدة للعمل الكنسي .

لقد حثّ راهنر العالم للعمل من أجل نزع الأسلحة وفق روح الإنجيل، وهنا يشترك المسيحي مع غيره في الرسالة تجاه السلام العالمي. لذلك دعا المسيحيين للإعتراف بذنبهم تجاه إنتشار الأسلحة في العالم وعزا ذلك لوجود عقلية برجوازية في الكنيسة. ولكن لا يعني هذا ترك الكنيسة بل بالصبر والرجاء في المستقبل يمكن الوصول للهدف.

 

بخصوص مسؤولية المسيحي كفرد تجاه الكنيسة، يؤكد راهنر على حق العلمانيين (غير المكرسين) في إمتلاك حرية التعبير، وتحملهم مسؤوليات في العمل الراعوي. وهذا لإعتقاده إن كنيسة المستقبل ستكون شخصية أكثر، وأن تتعرف لغير المعمذين أكثر. لذلك تمنى على روحانية الجماعة التركيز على التوجه نحو : الله، يسوع، الكنيسة، النعمة، الحرية الإنسانية. إن هذا التوجه هو تفعيل للرجاء وهو تحدي لخلق سعادتنا، وتحرير ذواتنا ما دمنا أصلا نحيا في الظلمة الإلهية. من الجدير بالذكر هنا إن راهنر كانت له امنية وهي إنه في نهاية رحلة عمره يتمنى أن يلاقي الله وجها لوجه.

 

أكد راهنر على دور الصلاة في التأثير على ردود أفعالنا تجاه ما يجري في العالم. الصلاة تجعلنا اكثر إنفتاحاً تجاه العالم لا ان تصبح مخدرا للمصلي. إذا راهنر يؤكد على الواقعية في العلاقة مع الآخر ومع الله .

يبدو واضحا كيف إن أحلام راهنر تتضمن نتيجة للممارسة الإيمانية. فالرجاء بالعلاقة بين الكنيسة والعالم يرتبط بالحوار الثقافي الواعي كي يشعر كل من يمارس إيمانه أنه حر في ثقافته . هنا المؤمن سيتحرر من ضغوطات الملحدين واللاأدريين.

 

الختام

إن ما نادى به راهنر لم يأت إعتباطاً، فقد كان يمتلك قدرة كبيرة في التأمل بالخبرة الإنسانية عن الله. يجعلنا قادرين أن نتحدث عن نعمة الله بلغة العلمانيين. وفهمه للحياة المسيحية تساعدنا أن نبحث عن الله لا فقط في أوقات الصلاة ولكن عندما نتألم ، ونحتفل، ونخدم، ونفرغ ذواتنا.

يمكن للمصلي الملتزم بقضايا الإنسانية أن يمتلك لاهوت الحياة كما تمكن منه راهنر. إنه يدعونا الى أن نبحث عن الله في عالم علماني، وهنا إستفاد من طريقة القديس إغناطيوس في الصلاة والتأمل، وكيف تهتم بالخبرة الإنسانية المعاشة. هنا المؤمن بتجه بتساميه تحو سر الله في العالم. وما السر إلا الإيمان بالعيش مع الله.

أخيراً، لقد وسع راهنر معنى النعمة الإلهية ومعنى المحبة الى حد أنهما تشملان حتى لحظات غموض حضور الله في ساعات الوحدة، والخيبة وجفاء المقابل.

 

المرجع بتصرف:

Annice Callahan, Spiritual Guides for Today, Crossroad: New York, 1992. pp.61-78