موجز كتاب مكسيميليان كولب شاهد وشهيد وحب بلا حدود

-موجز الكتاب : عن الكاهن الفرنسيسكاني الذي قضى نحبه في معتقل العذاب الشهير اوشفتز في بولونيا وهو بطل من أبطال الحب المسيحي ، سخي حتى التضحية الأسمى وغيرة متقدة وعطاء بلا حدود0

-الإعداد : الخورأسقف بيوس قاشا

-المقدمة :الخورأسقف بيوس قاشا

- الكتاب ضمن موسوعة زنابق الحقل / القديسون (6)

-الكتاب بسبعة وخمسون صفحة قياس 145 ملم * 195 ملم

-يتألف من ثلاثة أقسام عن حياته والرهبنة ومع العذراء ومعتقل الموت والشهادة مع مقتطفات وشذرات 0

-تصميم الغلاف وطباعة كومبيوتر المهندسة آن سامي مطلوب

-يطلب من  مكتبة كنيسة مار كوركيس في بغداد - الغدير

-سنة النشر : 2001

-مكان النشر : بغداد العراق


موجز كتاب لأنهم صانعو الغد

-الناشر: كنيسة مار كوركيس الكلدانية - بغداد

-موجز الكتاب : كتاب يعنى بتربية الأطفال وينتمي إلى علم نفس الطفل ويقدم لنا ثقافة يحتاجها الإنسان في صنع الحياة  ومواضيع الكتاب مستقاة من الحياة اليومية المتداولة وواقع حياة الطفل

-تأليف : الآنسة لمى منير جورج

-التقديم : دباهر بطي

-المقدمة: الآنسة لمى منير جورج

-التصحيح اللغوي: رمزي كجو

-المراجعة اللغوية: سليم عتيشا

-الكتاب بتسعة وستون صفحة قياس 145 ملم * 21 ملم

-يتألف من عشرة فصول تتناول حاجات الطفل ، الطفل والحيوانات ، الطفل والرموز ، الطفل وحواسه ، والطفل والهدايا

-يطلب من مكتبة كنيسة مار كوركيس في بغداد - الغدير

-سنة النشر : 24 الطبعة الثانية

-مكان النشر : بغداد العراق

 


 

الشجاعة للصلاة

Courage to Pray

للمترابوليت انطوني بلوم   وجورجيس ليفيفر

نقله إلى العربية

الأب حبيب هرمز النوفلي

والشماس مسعود هرمز

لندن 2005

العنوان بالإنكليزية

COURAGE TO PRAY

 

Anthony Bloom

And georges Lefebure, O.S.B

 

PAULIST PRESS

New York

U.S.A.

1973

 

المقدمة

 

عندما كنت ادير مكتبة كلية بابل للفلسفة واللاهوت ببغداد سنة 2002وصلت المكتبة مجموعة من الكتب اهداها سيادة المطران شليمون وردوني. وعندما بدأنا فرز الكتب انتبهت الى كتاب روحي رأيته أنه مهم جدا لنا كي نقوي حياتنا الروحية. والسبب في ذلك إن مؤلف الكتاب (المترابوليت انطوان بلوم) ذو باع طويل في مجال الروحانيات، وسبق أن تعرفنا على خبرته من خلال كتابه المستنسخ ببغداد (مدرسة الصلاة). لذلك اتصلت بأخي الشماس مسعود كي يساعدني في ترجمته بسرعة خدمة لابناء الكنيسة كي يساعدهم في تقوية حياتهم الروحية.وهكذا كنا نترجم وسط حالة الحرب التي عشناها سنة 2003 حيث انهمرت على بغداد القذائف وطارت فوقها الطائرات الحربية واهتزت المباني وتحطمت، وهاجر من هاجر وصمد من صمد صابرا على بلواه متعزيا بالصلاة ورفقة العائلة المقدسة حيث كنا نقدس في الكنيسة ولا نعلم الصاروخ القادم اين سيسقط أو متى ستفجر الكنيسة. لقد هيأت في كنيسة مار كوركيس الجو المناسب للترجمة مستعينا بالمولدة أو اللالة (اللمبة) أو الفانوس وأخيرا الشموع متحديا شذوذ الوضع. فكان الكتاب غذاء روحيا إضافياً. وبسبب انتقالي إلى انكلترة تأجل طبع الكتاب حتى بداية 2006 حيث اقدمه هدية لكل ذات عطشى للإقتراب من ينبوع الحياة (المسيح الحي) خصوصا احبائي المكرسين واعضاء جماعات الخدمة الذين أعتز بهم كثيرا.

نحن نحيا في سنوات حرب روحية حيث الحضارة المادية تسعى لمحو كل ما يمت للروح بصلة، لذلك من الضروري الإنتباه لهذا الخطر لأنه يصعب محو البعد الروحي في حياة الإنسان، ولا يمكن العيش دون قيم الخير والمحبة والجمال حيث ستبقى محبة المسيح تاج كل حياة تسعى لبناء الإنسان.

الأب حبيب هرمز  النوفلي                لندن 3كانون الثاني 2006

المحتويات

القسم الأول

الموضوع

اكتشاف

علاقة ثلاثية

المشاركة

مثلما من خلال قدح مظلم

طبيعة هذه المشاركة

النظر

السماع

الطاعة والمحبة

عين نقية للحكم

خبرة التحديق

دعني أعرف نفسي

دعني أعرفك

غياب الله

برطيماوس

الصلاة وسط الضوضاء

سكون العاصفة

الصلاة الثابتة

دور النسك

عزاء آيات الكتاب المقدس

الإستعانة بذواتنا

صمت الله وصمت الإنسان

البحث عن الصمت

جارنا والصلاة

الشفاعة

ناتلي بالمسيح

شفاعة المسيح

صورة أم يسوع

الكنيسة سر اللقاء

القديسون

الصلاة الطقسية

 

القسم الثاني

 الرب يبقى معنا

المحتويات

مقدمة

لا تكن وحيدا ابدا

فقدان النفس

الشركة

في شرطنا المتواضع

المحبة المتواضعة

في الإيمان

كن متواضعا بالله

الحاجة إلى الآخر

المعرفة من اجل الإيمان  هو الذي يحبنا  التواضع من الإيمان  مع المسيح

نعلم أنه قد احبنا

المحبة المدهشة

المحبة تعود لنا

بساطة الإيمان

المحبة التي توحدنا

المحبة التي ترضينا

المحبة التي تحررنا

البساطة والحرية

محبة بدون حدود

متحدين بمحبة الله

في نور الإيمان

يا رب ليس لي احد إلا أنت

المحبة الموجهة

المحبة الرحومة

المحبة الأزلية

هو كل شيء لنا

الثقة المتواضعة

كن مطيعا

صمت الإيمان

نعلم أنه احبنا

هدية حضور الله

في حضور الله

احترام السر

الله ينظر إلينا بمحبة

الموافقة التامة

هو الذي نؤمن به

الثقة التامة

هو الذي يتحدث إلينا

سر النعمة

حضور الله القريب

لغة قلبنا السرية

قلب مصغي

شركة الإيمان والمحبة

عيون الإيمان

من أعماق نفوسنا

سر النعمة

الحضور القريب

حرية المحبة

العيش مع المسيح

الخاتمة


باقوفـــــا

حبة خردل

تأليف

الأب حبيب هرمز النوفلي

تقديم

الأب د يوسف حبي

التصحيح اللغوي

سليم عتيشا

بغداد - كنيسة مار كوركيس الكلدانية

2002

الإهداء

إلى كل أب علمني الحكمة  تلك الحكمة التي استمدوها من الكتاب المقدس كتاب الحياة الذي عجنوه مع عرق جبينهم وهم يحرثون ارض الآباء والأجداد فكانوا رجالاً حكماء علموني الصلاة والصوم والعمل فكانت وستبقى حياةً تتجول في أعماقي

شكر وتقدير

شكراً لك يا رب لأنك خلقتني في بلدي الحبيب هذا ، وفي قريتي الحبيبة هذه

شكراً لك يا رب لأنك بنعمتك أهلتني أن أحيا بين اخوتي هؤلاء أبناء القرية الأحباء

شكراً لك يا رب لأنك ساعدتني كي أنجز هذه الوثيقة

شكراُ للاب يوسف حبي (رحمه الله )والاب بطرس حداد والدكتور بهنام أبو الصوف على ملاحظاتهم القيمة.

شكراً للشماس نوفل داود ولأخي مسعود وللأخت ماري دومينيك على تشجيعهما لي للاستمرار بالعمل وتزويدهم لي بمعلومات دخلت متن الكتاب

شكراً لكل من زودني بالمعلومات لأجل أن يظهر هذا الكتاب المتواضع إلى الوجود. 

تقديم

جميل أن يتناول المرء تاريخ بلاده، وأهله، لأن التجذر أساسي في تكوين الانسان الناضج، والتأصل وحده يسمح بالامتداد في أفق واسعة دون ضياع أو استلاب.

والمؤلف كاهن مثابر غيور يحب التعمق والكتابة، قطع على نفسه العهد أن ينشر شذى المعرفة في القلوب، وكانت لبلدته وقفة ارادها اطلالة على أحداث التاريخ للإغتراف من معينه الثري . وإني بكل اعتزاز أقدم إلى القراء الكرام هذا الكتاب النافع الذي أراد به الأب حبيب التحدث عن مسقط رأسه، وأهله، وتراثه، ولغته، وجذوره، فكان كتاب (باقوفا …حبة خردل ). لا نبالغ إن قلنا أن المسيح قصدها حين قال انها اصغر الحبوب، لكنها متى نمت أصبحت شجرة باسقة، وباقوفا شجرة يانعة، كفاها فخراً انها انجبت عملاقاً وهو المطران يعقوب أوجين منا .

سبعة فصول تعطينا معلومات غنية، بل مستوفاة عن هذه البلدة التي تقع على بعد 30كم شمالي الموصل، وهي عريقة في القدم، إذ تمتد إلى العصر الآشوري، وكان لها أن تعاصر فترات الحكم المختلفة التي تعاقبت على البلاد .

بعد الاسم والموقع واللغة والآثار في الفصل الأول، يتناول الثاني شخصيات خدموا بيت الله، وكنت اتمنى لو اضاف اليهم المؤلف شخصيات خدموا القرية. ويتناول الثالث الحياة الايمانية والدينية والاعياد والمواسم، والحياة الاجتماعية في الرابع (الطب الشعبي، والتراث، والازياء، والأكلات، والغناء، والعائلات، والهجرة وغيرها من امور)، والحياة الاقتصادية في الخامس، والثقافية في السادس، ويعطينا في السادس أرقاماً عن السكان مستفيداً من سجلات العماد، والزواج، والوفيات . والكتاب مزين بخرائط وصور، لذا فهو عمل جليل، علمي، وبلداني، لان الكثير ما يزال طي النسيان ، ان لم نقل الاهمال.ولأنها المرة الأولى التي يكتب بها مطولاً عن باقوفا، فلا عجب ان هناك جوانب أخرى تحتاج إلى مزيد من ايضاح وكشف ، وأني متأكد بان المؤلف سوف يفعل ذلك، بعد ان أجهد النفس ونقب وسأل واستفسر فأتى بهذا العمل الذي يستحق كل الثناء

الأب الدكتور يوسف حبي 

6/8/2000
 


 

                         حكمة

القدّيس   اسحق  النينوي

(السرياني)

سيباستيان  بروك

حكمة القديس اسحق النينوي

(السرياني)

نقله إلى العربية

الأب حبيب هرمز النوفلي

بإذن الرؤساء
كنيسة مار كوركيس – بغداد

2000

   

The Wisdom

 of

Saint Isaac the Syrian

 

Translated by Sebastian Brock

Published by SLG Press

Convent of the Incarnation, Fairacres, Oxford 0X4 1TB,

 

England.1997

 

مَنْشُور بالانكليزية مِن قِبل مطبعة SLG

دير التّجسدِ، فيراكريس، أكسفورد 0X4 1TB

إنجلترا  1997

لوحة الغلاف رسم الفنان د.وسام مرقس

التنقيح اللغوي:سليم عتيشا

 

 مقدمة المترجم

    تعاني مكتبتنا العربية وبخاصة الكتب الروحية نقصاً كبيراً ، فمعظم النصوص المهمة مكتوبة باللغة السريانية ، لذا رأيت لزاماً عليَّ أن أقوم بترجمة أحد النصوص لكاتب متصوف وقديس مشرقي عاش في القرن السابع الميلادي ، الا وهو الاسقف اسحق النينوي .

    إننا بحاجة ماسة اليوم ؛ لسد ذلك النقص وخاصة بعد اجتياح الموجة العارمة لحضارة القرن العشرين ذات الطابع العلمي والمادي ، والتي تُهمّش بعيداً كل ما يمت الى الروحانيات بصلة ، عدا ما يخدم اغراضها .والاكثر من ذلك تعرض الثقافات المحلية للشعوب الصغيرة الى تيار العولمة الذي يحاول صهرها حتى لو ادى ذلك الى انهيار القيم والاخلاق.

    لذا كان من الواجب على جميع الباحثين في جذور الايمان كشف واعلان الكنوز الرائعة والمعبرة عن خصوصية الحياة الروحية في بلادنا والتي تهتم بها كثيرا الدوائر الثقافية في مختلف شعوب العالم ، وذلك لتأكيد جوانب الايمان النقي لآبائنا عبر التاريخ ، فنبني كياننا الروحي على صخرة ايمانهم ونحن نتطلع الى مستقبل مملوء بالرجاء .

    وكما يبدو للقاريء العزيز ، فاننا اعتمدنا على نسخة مطبوعة باللغة الانكليزية، علماً ان النشر الاول كان من مخطوطة بالسريانية لم نعثر عليها ، وان الباحث بروك اعتمد على نسخة طبعت في الهند باهتمام الدكتور ريفد جاكوب مدير معهد مار افرام سنة 1995

    نعتقد بان عدم الاعتماد على اللغة الأصلية في الترجمة سيفقد العديد من الكلمات المعنى المراد حقاً من قبل الكاتب ، لذا نعتذر عن ذلك في حالة ورود بعض الكلمات المهمة لاختصاصي الروحانيات .

    ومن الجدير بالذكر الاهتمام الكبير الذي يوليه الآباء الكرمليون بأدب الآباء المشرقيين ، ومن بينهم قديسنا هذا ، سواء أكان ذلك في الجانب الروحي أم الروحاني ، خصوصا في مدرسة مار ايليا للصلاة ، وما يقدمونه في كلية بابل وفي معهد التثقيف المسيحي .

    شكر وتقدير أقدمه إلى مكتبة كلية بابل الكنسية لمساعدتها لي في توفير المصادر الحديثة

    شكر وتقدير إلى الأب الدكتور لويس ساكو لقبوله الاطلاع على النص قبل نشره

    شكر وتقدير إلى الأخ سليم عتيشا المنقح اللغوي لتنقيحه النص عربياً.

    وأخيراً أتمنى أن تهتم الكنيسة بجدية في جمع أعمال الآباء والأدباء السريان وتوفرها لخدمة الأجيال الصاعدة ، خاصة ونحن نعيش ما يُسَّمى عصر الانفجار المعرفي  ، فهل سنعيش اليوم الذي نقرأ فيه هذه الكتابات الخالدة من على شاشات الكومبيوتر ؟

                                       كنيسة مار كوركيس 15/8/2000

مقدمة الباحث

    اسحق النينوي ، أو اسحق السّرياني كما   يُعرفُ غالباً ، هو شخص مملوء بالتّناقضِ. فهو ناسك كنيسةِ المشرق . عاش في القرن الميلادي السابع ِ، وهو في القرنِ الحاضرِ ربما أكثر تأثيراً من أي وقتِ آخرِ في التّأريخِ. فمنذ سَنَواتِ قليلةِ ترجمت كتاباته الى اكثر من اثنتي عشرة لغة مختلفة .

    وتعتبر أعماله  المفضلة عند الرهبان في جبل آثوس ، وفي مصر أدت  أعماله  إلى الإحياءَ الرّهبانيَ في الكنيسةِ الأرثدوكسيةِ القبطيةِ خلال  العقود القليلة الماضية.  ومن خلال الترجماتِ الحديثةِ في الفرنسيةِ والإيطاليةِ والإنكليزيةِ ؛ أصبحتْ كتاباته  مَعْرُوفة أيضا، وقُدّرت مِن قِبل العديد من خارج الدّوائرِ الرّهبانيةِ التي ينتمي اسحق إليهم أصلاً .. .

    إن ردود الفعل إِلى تَعليمه ، على أية حال ، لم تكنَ مُشجّعة دائما. فبعد وقت قصير من موته أخذتْ بعض الجهات من كنيسته الخاصة بالاعتراض على قسم من تَعليمه، وفي القرنِ الحاضرِ رفض أحد العلماء  البارزين كتاباته  بالكَلِماتِ :

    " نرى فيه حدثاً بارزاً في طّريقِ( الميلنخوليا)  السّوداويِة  حيث انتكست المسيحية في المشرقِ وسط همجيةِ رجعية ، ولم تستمر أو تزدهر حتى الفلسفة"  .

    وحتى الآن فان العديد من   الناسِ اليوم يشيرون بوضوح إلى اسحق  لمقدرته على التكلم  بشكل مباشر وعلى امتداد  ثلاثة  عشرَ قرناً.   والشهادة  البليغة  لهذا قدمت مِن قِبل راهبِ أرثدوكسيِ يونانيِ صغيرِ ،  والذي اقتبست كَلِماته مِن  قِبل الارشمندريت باسيليوس ، من  دّيرِ ستافرورنكيتا  في جبل  أثوس2 :

    أنا اَقْرأُ اسحق السّرياني. وأَجدُ شيئاً ماَ بطولياً ، وحقيقياً، شيئاً ما يَتجاوزُ الفضاء والزمان. اَشْعرُ بأنّ هنا، لأول مرة، الصّوتُ الذي يَرْنُّ في الجزءِ الأعمقِ من كياني المغلق والذي أجهله حتى الآن  . ولو أنه بعيد عني بالجسم ،  لكنه يأتي مباشرة الى مسكني الروحي. وفي لحظةِ هادئِة  فانه  يتَكلّمَ معي، ويجَلسَ بجانبي. ولو أنني قَرأتُ الكثير من الأشياءِ الأخرىِ ،     

    ولو أنني قَابلتُ كثيراً العديد من الناسِ الآخرين، ومع أنّ اليوم هناك الآخرونُ الذين يَعِيشونَ حولي ،  فان لا أحد  عداه كَانَ وما زال معروفاً جداً. أَنْ لا أحد عداه  فَتح باب نفسي  بهذه الطريقة ، أو أن يجعله أفضل ، لا احد عداه  قادني في مثل هذه الطريقة الودية  وألاخوية ،  ذلك انه ضمن نفسي، أي ضمن  الطبيعة البشرية ، هناك مثل هذا  البابِ، الباب الذي يَفْتحُ إلى فضاء مفتوح وغير محدود.

    ولا أحد  عداه  اخبرني بهذه الحقيقةِ غير المتوقّعة وفائقة الوصفِ، حيث ان كامل عالميِ الدّاخليِ يَعُودُ إلى الرّجلِ.

 

    إن المعلومات عن حياة   اسحق قليلة  ، وحاله كحال عددِ من  الكُتّابِ السّريان البارزين  الآخرين  في القرن السابعِ.

    كان مولد اسحق  في منطقةِ  قطر حالياً ، على الخليجِ العربي ، ومن المفترض أن يكون قد تلقى تدريبه هناك على الحياة الرهبانية والتربية  ، في حين سَيكونُ أولاً مألوفاً مع  الكُتّابِ السريان واليونان  العظماء  في الحياةِ الروحية ، رجال  مثل : مار افرام ،  ويوحنا المتوحد ، وإيفغريس ،  وماكاريوس، وألانبا إشعيا ، والرّاهبِ مرقس  …الخ.

    إن الفاصل الزمني الوحيد في حياته كَان  عندما تم تكريسه كأسقفِ لأبرشية نينوى  (الموصل ) مِن قِبل الجاثاليق  كيوركيس ،  الذي كَانَ بطريرك كنيسة المشّرقِ من سنة661- 681م

     كانت مهنة  اسحق  الكنسية، على أية حال، واحدة ومختصرة ، "بسببِ انه عرف الله فقط " (كملاحظة بايوغرافية واحدة تم إثباتها) ،و بعد خمسة  أشهر  فقط في الإدارة تَقاعدَ وقرر العيش كناسكِ  في مكان  ما في جبالِ العراق الجنوبية الشرقية ، في تماس مع ديرِ الربان شابور.  يبدو  أَنه  عاش هناك فترة طويلة ، وكان ربما فقط ، ومن خلال  حَثِّه لتلاميذه الروحيين، قد مارس تَعليمه ، لذلك أتيحت له الكتابة للعديد من المظاهرِ المختلفةِ للحياةِ الروحية  .

    ومن الأشكال الذي  تم نقلها ؛ فإن أعمال اسحق الحية تَقعُ في  (جزء أول) و(جزء ثان ).  الجزء الأول ، الذي يَتضمّنُ اثنتين وثمانين موعظةِ ، كَانَ  له  تداولُ  واسع ، وكَانَ   كتاباته تقرأ في القرن الثامن و التاسع في الجماعات الرّهبانيةِ من الكنائسِ الأخرىِ  علاوة على كنيسته الشخصية .

    إن  أغلب  هذه  المواعظِ  قَدْ  تُرجمتْ الى اليونانيةِ في دّيرِ مار سابا الأرثدوكسيِ في فلسطين ، وسُجلتْ  تحت أسم  اسحق ،  وخمسة نصوصُ   منها لَيستْ في الحقيقةِ بواسطته:  بل أربعة منها هي  مِن قِبل آخر ِ، و هو كاتب  راهب احدث  قليلاً  منه في كنيسةِ المشرق ، يدعى  يوحنا الشيخ (عَرفَ أيضا  كيوحنا سابا، أو يوحنا من دالياثا بينما  الموعظة الخامسة  والتي هي كشكل مُختَصَر لرسالةِ في الحياةِ الروحية فتعود الى العالم    الأرثدوكسيِ السّريِاني فيلوكسينوس  المنبجي والمتوفي في 523م.

    ان العديد من الترجمات   قد أنجزت خلال العصور  الوسطى بالاستناد الى هذه النسخة  اليونانية ؛  في اللغة الجورجيِة، والعربية ( ومن ثم الاثيوبية واللاتينية  والسلوفانية كما إن بعض التّرجماتِ الأخرىِ في العربيةِ قَدْ نقلت مباشرة من السريانية.

    وفي القرن السادس عشرِ  تم ترجمة أعمال القديس اسحق أيضا إلى الفرنسيةِ والإيطاليةِ ، والإسبانيةِ، والكاتالانيةِ  ، والبرتغالية ِ،. ولو أن التّرجمة اللاتينية قَدْ طُبِعتْ عدة مراتِ في القرن السادس عشرِ، فلم يكن النص اليوناني اول شكل يطبع حتى عام 1770م  ، إذ حرر مِن قِبل راهبِ نيكيفوروز ثيوتوكيسNIKIPHOROS Theotokis.. إن هذا النّصِ اليونانيِ، لسوء الحظ استند على المخطوطاتِ المتأخّرةِ والفقيرةِ، والتي أصبحت مرجعاً لأكثر التّرجماتِ اللاحقةِ في الرّومانيةِ ( سنة 1781)، والروسية (سنة 1854) ؛ ومنها  إلى اليابانيةِ(سنة  1910)،  واليونانية الحديثة (سنة  1871)، والفرنسية (  1981)  ، والإنجليزية (  1984) ،  والطبعات اليونانيةِ الحديثةِ والمتعدّدةِ. إضافة الى الاقتباسات  القيمة  ، ولو أن كتابات  اسحق  تُضمّنتْ في القرن الحادي عشرِ المختارات الأدبيةِ الرّهبانيةِ والتي جَمعتْ مِن قِبل بول إفيرجيتينوسPaul Evergetinos  ، فلا شيء بواسطته يُظهرُ في  ما يعَرفَ بـ الفيلوكالياPhilokalia ، والتي حَرّرتَ مِن قِبل نيكوديموس St Nikodimos للجبلِ المقدّس (جبل آثوس )  في عام 1782م ، ولكن بعد اثنتي عشرة سَنَة  بعد ظهورِ  النسخة المطبوعِة  للنّصِ اليونانيِ   للقديس اسحق فقط.

    هذا الغيابِ، على أية حال، عُولجَ في  طبعات الفيلوكاليا باللغة الرّوسيةِ (1884)، واللاتينية (  1981) ،  وكان من السّابقةِ تلك التّرجمةِ الإنكليزيةِ لإختيارِ النّصوصِ المشتقة مِن قِبل اسحق في الآباءِ المبكّرين من فيلوكاليا (  1954) .

    ولم تأتِ  سنة 1909  حتى قام بنشر  النص السرياني الأصلي للجزءِ الأولِ الأب بولس  بيجان  الناشر النشط  للنّصوصِ السريانية ، وكان منها التّرجمةِ الإنكليزيةِ القياسيةِ مِن قِبل العالمِ الهولنديِ، أي. جْي. وينسينك،  والتي حققت سنة  ( 1923)..

    ان وجود الجزءِ الثّاني قَدْ عُرِفَ مسبقا من قبل بيجان ، الذي في نهايةِ طبعته للنّصِ السّريانيِ الكاملِ للجزءِ الأولِ ، أعطىَ بضعة مقتطفاتَ  عن   الجزءِ الثاني هذا من مخطوطةِ قديمةِ في أورميا في شمال غرب إيران ،  وهو يعبر عن ندمه في نفس  الوقت  لعدم تَمَكّنَه من أَنْ يَعطي أكثر .

    من الواضح إن هذه المخطوطةِ شَاركتْ في القدرِ الحزين للمسيحيِين في أورميا  سنة 1918. وعلى أية حال، وبعد فترة قصيرة من العقدين السابقين ، أي   في سنة 1896، حيث كان  الإكليريكي (او الكاهن فيما بعد )  يارو نيسان Yaroo Neesan ، وهو مواطن من منطقة أورميا   عضواً في المجلس الاسقفي الامريكي الذي كَان يعْملُ لحساب رئيس أساقفةِ بعثةِ كانتربري  التّربوية  إِلى الآثوريين في كنيسة المشّرقِ والتي   تمركزت في أورميا ، قَدْ بِيعتْ لحسن الحظ المخطوطةِ القديمةِ الأخرىِ لنفس العملِ إِلى مكتبةِ بودليان  في أكسفوردِ.

    إن أهمية هذه  المخطوطةِ ، لم تكن لتعرف حتى بعد قرن بعد  ذلك، ولذلك فان  هذه المواعظِ الجديدةِ هي  الآن فقط في طور النشر والترجمة.  ولو أن الجزء الثّاني لم يتَرجمَ إلى اليونانيةِ نهائياً ،  لكنه كان  على الرغم  من هذا  فقد قـُرِىء  في السّريانية في الدّوائرِ الأرثدوكسيةِ ،  منذ  أن تم إحياء مقتطفات  منه في بضعة  مخطوطات سريانية قديمة في مكتبةِ دير  سانت كاثرين  بسيناء  ، وفي مكان آخر ،على الأقل نشرت أجزاء منه  أيضا في التّرجمةِ العربيةِ.

    أما الجزء  الثّاني ، فانه يَتضمّنُ مجموعةِ من واحد وأربعين نصاُ ،   الثالث منها هو الأطول  إلى حد بعيد ، وهو في الحقيقةِ  مكون من مجموعة  من  أربعة سلاسلِ أو  عناوين، تتضمّنُ في معظمها القصير أنصاف أقوال في موضوعِ المعرفةِ الروحية.   

    منذ عهد بعيد جلب العالم الفرنسي  إريني هوشير ألانتباه  إِلى قول تّفصيليِ واحد ، والذي حَدثَ بأنه كَانَ قَدْ انتزعَ من الجزءِ الثّاني المختارَ مِن قِبل بيجان في نهايةِ طبعته الجزءِ الأولِ. نورد نصه كاملاً هنا :

 

    إذا كان الحماس قد توفق في إقرار حقوق الإنسان ، فلماذا كسا الله الكلمة نفسه بالجسد من اجل أن يرجع بالعالم إلى أبيه ، مستخدماً اللطف والإذلال ؟ ولماذا مُدَّ على الصليب لأجل الخاطئين ، وسلم جسده المقدس للمعاناة نيابة عن العالم ؟.

    أقول أنا ؛ إن الله عمل ذلك لا لسبب آخر إلا كي يجعل نفسه معروفاً في عالمه المحبوب ، وهدفه هو أننا نتيجة لحبنا الكبير ننهض وفق هذا الإدراك ، ربما ليأسرنا بحبه عندما يهيء مناسبة الاحتفال بإظهار قدرة ملكوت السماوات – ومضمونها المحبة –أي بمعنى موت ابنه .

   

    ان الفحوى الكامل لاقتراب اسحق هنا إلى تاريخِ الخلاص ِ، بتأكيده على محبة اللهِ، تعتبر واحدة من أكبر الفصولَ المدهشة  في الجزءِ الثّاني ،  إذ تم تكريسه إِلى موضوعِ سر جهنم. حيث في هذا يُجادلُ بشكل عنيف الذين تَصوّرَوا  أن جهنم تُتضمّنَ  العقابِ السّرمدي أو الجزائي ، فهي حسبه غير متوافقةُ كلياً مع  أي صدقِ في فهم محبةِ اللهِ وتّدبيرهِ ؛ إن نظرة القديس اسحق  هي :

    حتى في موضوع العذابات وكلمة جهنم فإن هناك شيئاً من السر الخفي، حيث أُخذت عن طريق الصانع الحكيم (الله) كنقطة بداية لأن مستقبلها (أي جهنم ) هو حصيلة فجور أفعالنا وكوننا عنيدين ، فيستعمل هذا كطريقة لجلبنا إلى كمال تدبيره الإلهي … الذي يخفيه عن الملائكة والبشر ، وهو مخفي أيضاً عن أولئك الذين يعاقبون ، سواء أكانوا شياطين أم بشراً .  فهو مخفي طالما هو يسيطر على الفترة المقدرة من الزمن .

 

وفَقَرات أخرى على:

 

    ان ما يجب أن نقوله أو نعتقده هو إن موضوع جهنم ليس في الواقع موضوعاً مملوءاً بالمحبة وممزوجاً بالشفقة ، وسيكون رأينا ممتلئاً بالتجديف والإهانة إلى الله ربنا إذا قلنا انه سيسلمنا بعدالة إلى الحرق لأجل إيلامنا ، وتعذيبنا ، وكل أشكال العلل . فنحن ننسب إلى الطبيعة القدسية عداوة نحو كائنات عاقلة خلقها بالنعمة .

    كذلك الحال عندما نقول انه يعمل أو يعتقد بهدف النكاية والغرض الحقود ، كما لو كان ينتقم لنفسه . فمن بين كل أفعاله لا شيء عدا انه رحوم ، ومحب ، وشفوق كلياً : وهذا هو مضمون علاقته بنا من البداية وحتى النهاية .

 

    إن الاختيار  الحالي للأقوال القصيرة  الـ 153  مِن قِبل اسحق مأخوذة من كلا الجزئين، الأولِ والثّاني، وهي تتبع تسلسلَ هذين  الجزئين.

 

    ان الطّبعة الأولى لحكمةِ اسحق قَدْ نُشِرتْ في كوتايام، كيرالا، الهند مِن قِبل معهد مار أفرام للأبحاث المسكونية (SEERI) في سنة 1995، وبمقدمةِ أقصرِ.

 

سيباستيان بروك

أكسفورد، 1997

 


  حياة الإيمان

رومانـو كوارديـني

حيـاة الإيمان

العنوان الاصلي

 

The Life of Faith

by

Romano Guardini

 

PAULIST PRESS Paulist Fathers

GLEN ROCK.NEW JERSEY.1961

New York,N.Y.and Paramus,N.J.

ترجمة  :الأب  حبيـب هرمز  

     الآنسة   أسـيل جوري

المصحح اللغوي سليم عتيشا

اللوحات الفنية :    الفنان وسام مرقس  

 

برخصة الرؤساء

بغداد - 1999

              المحتـويات  

الموضوع                    الصفحة

تقديم                                      4   

مقدمة المترجمين                            6

مقدمة المؤلف                              7

أصل الإيمان                               9

الإيمان ومحتواه                            16

أزمات الإيمان                            23

الإيمان والعمل                            31

الإيمان والمحبة                             38    

الإيمان والرجاء                           46

الأشكال المختلفة للإيمان                 52

المعرفة في الإيمان                         66

الإيمان والكنيسة : العقيدة             74

الإيمان والكنيسة : السر                84

تقديــم

    كل موضوع من مواضيع هذا الكتاب ، يستحق أن يكون كتاباً مستقلاً ، فكم بالمواضيع كلها مجتمعة . ورومانو كوارديني من اللاهوتيين المعروفين في القرن العشرين .

    منذ المقدمة ، ينبهنا المؤلف إلى ان الإيمان سرّ ، ولا يمكن أن يفسر الا عن طريق الكشف الإلهي ، وللمؤمن وحده أن يستوعبه . لذا يبدأ المؤلف ، في الفصل الأول ، بأصل الإيمان ، وبعد أن يتحدث عن الشخص الذي عالمه كتاب مغلق ، ينتقل إلى انفتاح الإنسان على الإيمان من خلال الاكتشاف بفضل العناية الإلهية ، على الرغم مما في الإنسان من مجالات صراع دائم بين الشك واليقين ، حتى يتحول المؤمن إلى إنسان يصرّح ، كبولس ،"لست أنا أحيا ، المسيح يحيا فيّ." لماذا؟ لان محتوى الإيمان ، وهو مضمون الفصل الثاني ، ليس تعليما أو كتاباً ، بل شخصاً ، يتجسد في المسيح يسوع . ولا يعني هذا ان المؤمن لا يمرُّ بأزمات إيمان (مضمون الفصل الثالث) ، لكنها الحياة تؤهله أن يحقق توازناً بين الإيمان والعمل (الفصل الرابع) ، ويتم هذا التوازن بفضل المحبة التي تصبح هي حياة المؤمن (الفصل الخامس) ، يذكيها رجاء لا يعرف المستحيل (الفصل السادس ) ، ويقدم لنا أمثلة معبرة : جداراً صخرياً لمنحدر تحرقه الشمس صيفاً ، ويجمده البرد شتاءً ، وتجتاحه الرياح الهوجاء التي تجرف كل ما ليس صخراً . بينما ، حين تتجذر بذرة في عمق أرض وتنمو ، فإنّنا نندهش أمام سر الحياة !.

    وبعد استعراض الأشكال المختلفة للإيمان (الفصل السابع) ، يتناول في الفصل الثامن موضوعا  مهماً هو (المعرفة في الإيمان) ، حار فيه المفكرون والمتدينون ، ودونت فيه مئات البحوث ، وآخر ذلك رسالة لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني في (العقل والإيمان) . وقد بات واضحاً اليوم،  ان إيماناً لا واعيــاً ليس بالإيمان الحقيـقي ، وان للعقل دوراً كبيراً في عملية الكشف وصولاً إلى تعقل لا يكتفي بالنظريات والتجريد ، بل يحاول تلمّس جوهر الحقيقة وعمقها ، فيؤمن المرء بالوقائع والأشخاص اكثر مما بالأفكار والأشياء ، ويبلغ كمالاً في النمو  الإيماني بفضل الخبرة الشخصية التي أساسها علاقة حب ، وهذا ما يسهل على الإنسان الإيمان بالعقائد والأخذ بتعاليم الكنيسة ، لأن الشخص بل علاقة الحب في الأساس والقلب والهدف ، ولا خوف علينا بعد ذلك من خطر الجمود أو مطبات الانجراف ، لان الإيمان الذي يملأ الوجود هو غذاء الحياة ومجددها .

    فلا عجب أن يكون الموضوع الذي اختاره عزيزنا الآب حبيب هرمز بالاشتراك مع الآنسة  أسيل جوري ، موضوعاً مهماً يستحق الاهتمام والتأمل ، لذا فإني بكل طيبة خاطر أقدم هذا العمل لفائدة القراء الكرام .

                                                          الأب يوسف حبي

 

مقدمة المترجمين

    ان إعلان الإيمان هو من جوهر رسالة المؤمن ، وهذا الإعلان هو نتيجة عيش الإيمان بتفاعل صميمي يشمل مراحل عمرية مختلفة ، ولكونه متداخلا مع التدين والثقافات الدينية المختلفة ومتأثرا ببيئة المؤمن ، لذلك يعاني المؤمن  أزمات إيمانية تشتد أحيانا حسب الأسباب الموجبة ، كطبيعة عمل المؤمن وموقفه من المحبة والرجاء ، فتظهر في الواقع أشكال مختلفة من الإيمان   . ومن اجل بلورة الإيمان في مفاهيم معينة تحميه من التعرض  للعواصف الفكرية والحياتية عبر الزمان ، ظهرت العقائد كمحاولة للكشف عن الاسرار الإيمانية الكامنة في الكتاب المقدس ، والحية في حياة المؤمنين .

    ارتأينا ترجمة هذا الكتاب اللاهوتي المعاصر ، لما للموضوع من أهمية ، وللمؤلف من دور إيجابي في اللاهوت المعاصر ، وكمساعدة بسيطة لأبناء جيلنا الجديد ونحن على أبواب الألف الثالث ، كي نبصر جميعنا بعمق  إيماننا ، ونتجه نحو عمق الكيان الشخصي كاشفين عن جوانب  خفية من اللؤلؤة الثمينة التي نملكها منذ ان تعمذنا.

 

مقدمـة المؤلف

نواجه في الأناجيل  باستمرار  :

   يظهر رجل بكيانه وقوة أعمالــه وبكلماته التي  يتحرك الروح القدس من  خلالها ، يقول ":هذا أنا"!…."أنا هو الطريق ، والحق ، والحياة! "…"تعالوا إليّ ، يا جميع المتعبين! "… “من يؤمن بي سيحي!"! الناس اخذوا بالملاحظة والاقتراب والإصغاء والاندهاش – راجين عوناً  وصحة للجسد والنفس – فوجدوا كليهما – لكنهم لم  يفهموه ،  فرحلوا.

    بالطبع ثبت قليل منهم واتبّعوه حيثما ذهب ، حيث كافحوا بصدق ليفهموا من هو ذلك الذي يقول ، لكنهم لا يقدرون . أحاديثه تركت انطباعا فيهم ، الاّ ان معانيها لا تدرك حقا.

    انه يحيا ويشاهد أعماله تحدث أمامهم ، ولكن كل شيء يبقى في النهاية سرا غير قابل على  الاختراق بالنسبة للجماهير . يصف القديس يوحنا مشهدا سريا يرمز إلى هذه الحالة جيدا . التلاميذ هم في البحيرة والعاصفة عنيفة ، وفجأة يظهر الرب على الأمواج ، يصرخون إليه في  خوف ، لكنه يطمئنهم قائلا :" أنا هو " حينئذ يدعوه بطرس " يا رب ، إذا كنت أنت ؛ دعني  آتي إليك عبر المياه " فيجيبه يسوع :" تعال " يخرج بطرس من القارب وعيناه مركزتان بعزم على الرب فيبسط  قدميه على الماء ، انها تحمله ،  وبعدها يرتبك بسبب العاصفة فيفقد سيطرته على نفسه ليبدأ بالغرق ، لذلك كان على يسوع أن يأتي لإنقاذه وهو يقول :"يا قليل الإيمان ، لماذا تشك ؟ ".

    هكذا كانت  الفترة التي قضاها الرب على الأرض ، داعيا حشود تابعيه خلفه ، لكنه لم يقرّب في الواقع إليه أحد .

    لقد تغير كل ذلك أول مرة مع العنصرة عندما هيأ الروح القدس حضوره في الزمن والتاريخ الإنساني ليقود الناس إلى الرب . بفضله يصل الإنسان إلى المسيح، علاوة على انه في المسيح  والمسيح فيه .

    والان نأمل أن نتحدث عن هذا الإيمان ، ليس بالتوغل إلى حد كبير في سر اصله الإلهي ،  لكن كخبرة نمتلكها في أنفسنا وفي الآخرين .

    الإيمان بحد ذاته سر ، ويجب أن يصدق بفعل الإيمان ، ليس هناك شيء كنظريــة الإيمان الطبيعية التي بها وعن طريقها يمكن الاستدلال على وجود العالم، أو الإنسان لأنها تنبع من نعمة الله الخلاقة ، من هنا لا يمكن للإيمان، أو بالأحرى للمسيحي الذي يعيش الإيمان أن يفسـر إلا بواسطة الكشف الإلهي .

   ان كل مؤمن يقدر فقط أن يفهم بالإيمان – إلى حد لا يفقد فيه بصيرته -  السر ، ليست غايتنا الان التحدث عن الإيمان كسر ، ولكن عن علاقتنا به وما قد نلاحظه بخصوصه فـي أنفسنا وفي الآخرين ، ليس بالطبع حول " الجانب الطبيعي " لان الطبيعة والنعمة هنا فـي تداخل متماسك على نحو معقد – ولكن بشأن ذلك الجانب الذي بالإمكان اختباره ، مع ذلك يبرز الســر الأساس للإيمان بأسلوب كهذا في التحليل .

 

الأب أ نّيبالــي مـا ريّـا  دي  فر ا نجـا

ANNIBALE MARIA DI FRANCIA

  1851 - 1927

 

ترجمة

الاب  يوسف  حــبّــي

نشر

الأب حبيب هرمز

2004

تقديم

عملت مع المرحوم الأب يوسف حبي لمدة عشرة سنوات، كانت مملوءة من الخبرات المتنوعة والتي أثرت عليّ في حياتي الكهنوتية، وكان للتقارب في التوجه الثقافي لدينا ما حفزني للتواصل بهذا الإتجاه، فقد كان معلما ومرشدا لي في الكثير من الأمور. ومن بين ما كنا نعمل معا هو النشر الثقافي، حيث كنت مسؤولاً لمكتبة كلية بابل للفترة من 1998وحتى وفاته سنة 2000.

وقد عثرت في الحاسوب الخاص بمكتبة الكلية على مسودة ترجمته لحياة الطوباوي الإيطالي (أنيبالي)، ففكرت تهيأتها للنشر خدمة لمسيرة الإيمان. ولكن تكاليف النشر الباهضة جعلتني أؤجل العمل إلى أن إلتقيت بالأب باسل سليم سنة 2003، الذي عندما تحدث له عن الموضوع؛ قال: ان المرحوم إلتقى بالآباء الروكاسيونيست من خلال الراهبات الدومنيكيات للقديسة كاترينا في روما بإيطاليا سنة 1994، حيث وعدهم بترجمة ونشر حياة المربي أعلاه.

وبعد ذلك إنتقلت إلى إنكلترة لخدمة الجالية الكلدانية هنا، حيث قررت نشر الكتاب، وأنا لا أعلم إن كان أحد قد نشر المخطوط كله أو جزءً منه.

ولأنني لم أكن قد قرأت النص في الكومبيوتر، فعندما قررت مراجعة المسودة وتنظيدها في أيار 2004 لم يكن ببالي نهائيا أنني سأصل في القراءة والتنضيد إلى الصفحات الأخيرة في يوم 2 حزيران حيث فوجئت بأن الطوباوي قد توفي في اليوم الثاني من حزيران، ولا أعتبر هذه مصادفة بل أعتبرها نعمة روحية كبيرة من نعم الروح القدس التي جعلتني أتريث في عملي (لظروف عملي كل هذه الفترة الطويلة) لأحقق العمل في يوم وفاته وأنا لم أكن أعلم أنه توفي هذا اليوم!!!

ويبدو لي إن المرحوم الأب يوسف حبي لم يكن قد وضع اللمسات الأخيرة على النص لوجود بعض الإنقطاعات البسيطة في أثناء الترجمة.

 لنصل لأجل كل العاملين في مجال التثقيف المسيحي كي يتقوى نشاطهم رغم الصعوبات، ويعمقوا الإيمان في حياة الجيل الجديد.

الأب حبيب هرمز

لندن

حزيران 2004

الاهداء

   الى ...  كلّ من مسّته الآية الانجيلية

      "الحصاد كثير والفعلة قليلون، فاطلبوا..."،

  الى ... كلّ من انتفض من حلم جميل، فبادر، 

            وجازف ، وخطا عشرات الخطوات، ولم يتوقف

   الى  ...  من عرفناهم مثالا، ساروا في دروب

            النور، وبشّروا العالم

    الى ...     كل انسان  يحيا الرسالة فيجسّد القيمة

            العظمى حياةً ذات معنى

                                 أهدي ترجمتي هذه

                                                   

         ي. ح.

للتاريخ

     لقد كنت على صلة بالآباء الروكاسيونيست منذ سنوات، من خلال أخواتنا الراهبات الدومنيكيات للقديسة كاترينا اللواتي يسكنّ ويعملن في الدير العام لهولاء الاباء في روما. ثم كان ان زار العراق وشاركنا المؤتمر المسيحي اثاني الرئيس العام الاب بيترو جيفوني، في تموز 1995، فتوطدت بيننا علاقة صداقة روحية متينة. وكان في احد لقاءاتي به في روما واهدائه لي حياة المؤسس الاب أنيبالي ماريا دي فرانجا، اني وعدته بأن أضع بين يديه بالعربية ترجمة حياة مؤسسهم، ووفيت بالوعد. ويطيب لي أن أقدم عملي هذا هدية متواضعة الى رهبانه وراهباته وسائر العاملين والمعنيين بمشاريعهم العديدة الآئلة الى نفع الكثيرين.

تقديـــــــــــم      

  من هو القديس؟ وما القداسة؟ هل هما سرّ ، أم شيء لا يدرك؟

  لا ريب ان كلاّ منا يحاول ان يعطي جوابا وفق خبرته وحسّه. انما من يحاول ان يجيب على مثل هذه الاسئلة، هو وحده من يكشف عن "اوراقه"، يرسم ذاته، او يوحي على الاقل بالرحلة التي تبدو له اكثر ضمانة للوصول الى الهدف. اننا نعتقد انها حال الاب انيبالي ماريا دي فرانجا.

   انه هو نفسه، في التأبين الجنائزي للاخت ماريا لوسيا من دير نجمة الصبح في نابولي، الذي تفوه به عام 1907، ترك لنا، لااراديا، شهادة عن مفهومه للقداسة وخواصها.

" ما هي ، يا ترى ، قداسة نفس ؟ ويجيب: يقول الرسول: انها ارادة الله، "فان مشيئة الله انما هي قداستكم" ( 1 تسل 4، 3).

"بحسب نظرة البعض السطحية، لا يوجد قداسة فائقة الا ان كانت محاطة بتركيبة عظيمة من افعال توبوية صارمة، واعتـــــلان كبير لافعال واعمال سامية، ومردودات واعاجيب من الدرجة الاولى.

"  ان هولاء لمخدوعون. لان القداسة الحقة هي الاتحاد التام، حتى الفاعل، لارادتنا مع ارادة العلي، بفضل حب خالص لله، مع الهدف الاوحد المستقيم لارضاء جلالته الالهية.  واذ تبلغ النفس هذه الحالة السعيدة، فانها لا تتوخى شيئا آخر سوى البقاء في خفاء حبيبها الذي يعمل احيانا حتى على اخفائها عن ذاتها نفسها.

   "وعندئذ لا نحتاج الىالقيام بمعجزات عظيمة، وايقاف سنن الطبيعة، لان النفس بتقديمها ذاتها كليا لله، تكون قد قامت باعظم معجزة، وبوسعها ان تقول عن نفسها: ان كل مجدها هو من الداخل ( مز 44، 14)، كما بوسعها ان تقول ايضا: ان حياتي هي مخفية في المسيح ( انظر كول 3،3).

   "انما الشجرة، بحسب قول المسيح يسوع، تعرف من ثمارها؛  لذا فبقدر ما تكون بسيطة ومخفية،هكذا تكون رفيعة قداســـــــــة النفس، ولو انه لا بد لبعض الملامح، في بعض الحالات، ان لا تبدو آثارها واضحة. ان الاختلاء الباطني، ونظرة العقل المحدقــــة باللــه  دوما، والارادة الراسخة في المشيئة الالهية، والنيّة المستقيمة، والنقاء غير المعيب ، هذه كلها قداسة سامية، دفينة ومخفية داخل الروح، سرعان ما تشع في الخارج...

   "ان ما ليس بوسعه ان يبقى مخفيا، مهما كانت جهود النفس لاخفائه، هي هذه النار المضطرمة بالحب الالهي"  (دي فرانجا، ص 131-133)

   لدى قراءتنا حياة الاب أنّيبالي، ولدى محاولة تركيب مسيرته الروحية، نلقانا امام مفاجأة عذبة لانها متجاوبة كثيرا وهذه التصورات والافكار، والافضل ان نقول بانها كانت افكار الكمال التي حاول الاب انيبالي ان يقتفيها ابّان حياته على الارض،  انه واحد من بني البشر، كالآخرين، وبكلمات بسيطة، انه لم يولد قديسا. لقد اجتهد ان يتفهّم يوما بعد يوم ماذا يعني وجوده في علاقته مع الالهي،  دون ان يسعى لاجهاض التساؤلات التي تقلق الشبان، محاولا الاجابة عليها من خلال البيئة، الكنيسة، الثقافة، بالحس والطبع اللذين يتيحان ذلك.

   هكذا، فهم أنيبالي، ما بين افكار تقليدية والحدس، انه من الضروري تأشير هذا المثال الذي سوف ينمو وينضـــــج في داخله.

انه اذن انسان، ذو طبع، وصفات عالية، كما انه ذو نقائص. اختار الكهنوت طريقا يسلكه سعيا نحو كماله. وناضل يومـــــــا  بعد يوم دون ان يفقد البتة اليقين الثابت بان الرب هو الى جانبه على الدوام، وانه يمدّ له يده.

   فالقديس هو من يجتهد لكي يحقق فيه الانسان الفردوسي، اي آدم قبل سقطته، الذي كان يتحدث الى الله بحرية، ذاك الانسان الذي جاء المسيح لكي يفتديه بتأنسه.لقد كانت القداسة اذن هي حياته.

   "واني لمقتنع بان الخوري دي فرانجا قد كان دوما في حضرة الله، وان كل ما فعله، انما فعله لله ومع الله. نرى ذلك في عمله، اذ ان صلاته امام القربان، او الوعظ، او الاعتراف، او ردّ معاند مسكين، او اشباع او اكساء طفل،  كلها شيء واحد"  (دعوى التطويب ، 2، 288 ه 2)

   ماذا يقول المونسنيور انطونيو دي تومازو اسقف اوريا، الذي اتيح له ان يتعرف عليه اكثر من عشرين سنة؟. الحياة التي نقدمها هي محاولة بناء حياة الاب انيبالي، ابن زمانه وارضه، حياة شخص بنى الذات بتواضع وقداسة. انسان نارّي، شاعر، حالم، قارئ، هائم بحياة متصوفين، موجود بين الفقراء  ومن هم  على الهامش  من الحياة، الاطفال، والجهال، لانه فيهم رأى يسوع نفسه الذي رفعه في القربانة فــــي الاحتفال الافخارستي.

   انه شاعر عني بامور عملية، وهو انسان كان له الاحترام الكبير، بكل شجاعة، بالكتابة والقول، ليعبّر عن كل ما يفكر به، وامام الجميع.

   لتفهّم هذا الانسان، كان من الضروري الانطلاق من البيئة الواسعة التي انجبته، ومن الوسطين الاجتماعي والثقافي اللذين سلك، وحتى تضييق الرؤية، تدريجيا  ومن خلال شواهد ووثائق، مؤشرين وجوده الارضي.

   لقد عاش وعمل في حقبة تاريخية، انما مثاله، شعاراته، وطموحاته فهي ابعد من المسافات والزمن.

   بوسع البعض ان يخبروا عن عظمة هذا الرجل، والكاهن، من خلال احداث غير عادية كان عليه مجابهتها. وبوسع آخرين ان يشخّصوا الروحية العميقة التي ميّزته، وبوسع غيرهم ان يعارضوه في اختياراته وعمله، انما لا احد يسعه ان يبقى ازاءه لااباليا. وهذا هو اهم شيء.

   ان السيرة التي نقدمها هي في الواقع عمل خاص جدا. فهو عمل علمي، اي انه يستند الى وثائق وشواهد مباشرة ، غير متأثرة باحاسيس يبالغ فيها عادة واضعو السير. انها من النوع الذي كان يتمناه الطوباوي دون لويجي اوريوني الذي عليه تعتمد الكثير شخصية الاب انيبالي، فهو "ملتزم جملة"  (دعوى التطويب،2، ص 281-28). لم يكن بوسعه ان يقول اكثر، لان هذه السيرة انما تعرض ما قدم رسميا الى المجمع الحبري لدعاوى القديسين في التعريف بفضائله  (مجمع دعاوى القديسين، رقم 729، 1-2، روما 198)، على انها اداة بيد السلطة الكنسية لاصدار حكم بشأن شخصية وعمل الاب انيبالي، والتعبير عن رأيها الرسمي بخصوص بطولة فضائله.

   لقد ارتؤي ان تكون هذه سيرة قائمة بذاتها، نظرا لطابعها المتميز بالعلمية وسهولة القراءة، لتشكّل ركيزة اكيدة يرجع اليها في كل الدراسات التي تخص الاب انيبالي، وقد اخذت مثل هذه الدراسات تكثر في السنوات الاخيرة.

 

الاب  بيترو  جيفو ني

الرئيس العام للروكاسيونيستي

P. Pietro  Cifuni,

Superiore Generale dei Rogazionisti

 

 

 

أصْبــِـحُ إنْسانَاً

جان فانييه

Becoming Human

 Jean Vanier

House of Anansi Press Limited

Toronto ـCanada

1998

 نقله الى العربية

            الأب حبيب هرمز        جيرار بطرس

            المراجعة العلمية    الدكتور باهر سامي بطي

            المصحح اللغوي        سليم عتيشا

لوحة الغلاف:الابن الشاطر  للفنان Bartolome Esteban

بإذن الرؤساء

كنيسة  مار كوركيس الكلدانية

بغداد - 2001

"بما إنّكم فعلتم بأحد اخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم" (متى 25: 40)

          من هذا المبدأ انطلق الكثير من المؤمنين والمؤمنات بكل غيرة رسولية لكي يخدموا اخوة يسوع الصغار لأنهم كانوا مقتنعين بأنهم يخدمون الرب نفسه ، ولهذا قدّموا يد المساعدة بطرق شتّى لكل الذين كانوا بحاجة ، من مختلف الأعمار والطبقات البشرية ، منتصرين على كل الصعوبات ، مقدّمين كل التضحيات ، غير مبالين بالآلام والأتعاب ، وفي كل هذا كانت العناية الإلهية ترعاهم ، ويد الرب تقودهم والقوة الخفية تعضدهم وتنير الطريق أمام