من بابا
روما.. الى
راهبة
الصومال
من موقع
تيباين
ليس
دفاعاً عن
الإسلام،
فالإسلام ليس
متّهماً،
ولكن إدانةً
لحفنة من
المجرمين
الذين امتدّت
أيديهم الى
راهبة
ايطالية في
الصومال كانت
تعمل على
مساعدة
المرضى في أحد
مستشفيات مقاديشو.
أما سبب الجريمة
فإنه رد فعل
متوحش على
محاضرة
أكاديمية ألقاها
البابا
بنديكتوس
السادس عشر في
ألمانيا
وأخطأ
باستقوال
امبراطور
بيزنطي من القرن
الرابع عشر
يفتري بها على
الإسلام.
في الأساس
يقول الله
تعالى في
القرآن
الكريم: "ولتجدنّ
أقربهم مودّة
للذين آمنوا
الذين قالوا
إنّا نصارى
ذلك بأن منهم
قسيسين
ورهباناً
وانهم لا
يستكبرون".
يعني هذا
الكلام
الإلهي أن من
مقومات الودّ
الإسلامي
تجاه النصارى
أن منهم قسّيسين
ورهباناً.
ويعني أيضاً
أن من صفات
الرهبان
والقساوسة
المحببة الى
الله أنهم لا
يستكبرون. هذا
الثناء على
الرهبان
والراهبات والقساوسة
يضعهم في
منزلة سامية
من الاحترام والتقدير
عند
المسلمين،
ويمتّعهم
بحصانة روحية
تجعلُهم في
مأمن من أي
تطاول أو أذى.
فكيف سمح
القتلة
لأنفسهم
بارتكاب
جريمة قتل راهبة
نذرت نفسها
الى الله والى
الإنسان
وبتلك الصورة
الوحشية
البشعة؟..
تركت هذه
الراهبة وطنها
الجميل،
ايطاليا،
لتقيم في بلد
تمزقه الحروب
القبلية حتى
تخلّت عنه
الدول الأخرى
بعد أن يئست
من معالجة
مشاكله
الداخلية. غير
أن هذه
الراهبة لم
تيأس من خدمة
الإنسان
الصومالي المعذب
وهو إنسان
مسلم. فكيف
يجرؤ
المجرمون على
مبادلتها
إنسانيتها
وسموّها
وتفانيها باستباحة
دمها
وبانتهاك
رمزها
الكهنوتي؟..
لا توجد في
الصومال دولة
توفر الحماية
للراهبة. ولكن
حمايتها في
الأساس قائمة
على عهد النبي
صلى الله عليه
وسلم للنصارى
وهو عهد صدر
عن النبي عليه
السلام في
المدينة
المنورة بتاريخ
الثالث من
محرّم في
السنة
الثانية
للهجرة. وشهد
عليه كبار
الصحابة منهم
الخلفاء
الأربعة ابو
بكر وعمر
وعثمان وعليّ.
يقول
العهد النبوي:
"وإن احتمى
راهب أو سائح
في جبل أو واد
أو مغارة أو
عمران أو سهل
أو رمل أو
ردنة أو بيعة
فأنا أكون من
ورائهم ذاباً
عنهم كل عدة،
لهم بنفسي
وأعواني وأهل
ملّتي وأتباعي
كأنهم رعيّتي
وأهل ذمّتي
وأنا أعزل
عنهم الأذى..".
الى أن يقول:
"ولا يغيّر
أسقف من
أسقفيته ولا
راهب من
رهبانيته ولا
حبيس من
صومعته ولا
سائح من
سياحته ولا
يهدم بيت من
بيوت كنائسهم
وبيعهم ولا
يدخل شيء من
مال كنائسهم
في بناء مسجد
ولا في منازل
المسلمين. فمن
فعل شيئاً من
ذلك فقد نكث
عن الله وخالف
رسوله. ولا
يحمل على
الرهبان
والأساقفة
ولا من
يتعبّد، جزية ولا
غرامة. وأنا
أحفظ ذمّتهم
أينما كانوا
من برّ أو
بحر، في
المشرق
والمغرب
والشمال
والجنوب وهم
في ذمّتي
وميثاقي
وأماني من كل
مكروه. وكذلك
من ينفرد
بالعبادة في
الجبال والمواضيع
المباركة. لا
يلزمهم ما
يزرعوه لا
خراج ولا عشر".
ويختم نص
العهد قائلاً:
".. ومن خالف عهد
الله واعتمد
بالضد من ذلك
فقد عصى
ميثاقه ورسوله".
هذه
الراهبة لم
تكن تتعبد في
صومعة. كانت
تتعبد في
مستشفى بين
عذابات الناس
الذين تفتك
بهم صراعات
الميليشيات
المسلحة في
شوارع
مقاديشو.
فالذين قتلوا
الراهبة ، خالفوا
عهد الله
ورسوله.
يدّعي
القتلة أن
الجريمة
ارتُكبت رداً
على محاضرة
البابا. ولكن
متى كان الردّ
على محاضرة بجريمة
؟.. ومتى كان
الردّ على
الرأي
المختلِف
بالقتل؟. هل
هكذا يكون
العمل بما جاء
في القرآن
الكريم من دعوة
الى الحوار
بالتي هي
أحسن؟..
ثم بأي شرع
تُخطف
الراهبة
الطاهرة
المتبتلة ثم
تُقتل، لجرم
لم ترتكبه؟..
ألم يسمعوا
قول الله
تعالى انه: "لا
تزر وازرةٌ
وزر أخرى"؟.
وإذا كان ما
نُسب الى
البابا خطأ،
فهل يُصحّح
الخطأ
بجريمة؟..
إن قتل
الراهبة في
الصومال ليس
مجرّد جريمة عادية.
إنها جريمة ضد
الدين وضدّ
الإنسانية، أولاً
لأن القرآن
الكريم يقول:
"من قتل نفساً
بغير نفسٍ أو
فساد في الأرض
فكأنما قتل
الناس جميعاً"..
ثانياً لأن
الضحية هي
راهبة من
المؤمنين
الذين كرّمهم
الله عندما
وصفهم في القرآن
الكريم بأنهم
لا يستكبرون.
ثالثاً لأنها
ضحية بريئة لم
ترتكب إثماً
ولم تسِء الى
أحد. بل وقفت
حياتها من أجل
خدمة
المعذبين في
الصومال
ومساعدتهم،
وهم من غير
قومها ومن غير
دينها.
ثم هل ان
قتل الراهبة
في مقاديشو
وإحراق الكنائس
في نابلس وغزة
يقنع البابا
بنديكتوس
السادس عشر
بأن الإسلام
لم ينتشر
بالسيف (وهو
الذي أعلن أنه
لا يتبنى
القول
المنقول عن
الامبراطور
البيزنطي)..
وأن الدين
الإسلامي هو
دين السلام
والمحبة وليس
دين العنف
والإرهاب ؟.
أين حرمة
بيوت الله
التي أكد
عليها القرآن
الكريم بقوله
"في بيوت آذن
الله أن ترفع
ويذكر فيها
اسمه يسبّح له
فيها بالغدوّ
والآصال رجال
لا تلهيهم
تجارة ولا بيع
عن ذكر الله.."
الى آخر الآية
الكريمة. أليس
انتهاك حرمة
أي كنيسة هو
بمثابة
انتهاك لحرمة
أي مسجد؟. كيف
تمتد الأيدي
العابثة الى
الكنائس؟..
أين الأخوة
الإسلامية ـ
المسيحية
وأين المواطنة؟..
وأين المصير
المشترك في
وجه العدو الصهيوني
المشترك؟.
إن ردود
الفعل
المتفلتة
تسيء الى
الدين الإسلامي،
كما تسيء الى
مصالح
المسلمين في
العالم وتعطي
الانطباع
السيئ الذي
يوفر مادة
لتمويل حملة
الإفتراء
والتجنّي
التي يتعرّض
لها الإسلام.
وإذا كان لا
بد من ردّ على
ما نُسب الى
البابا، ولا
بد من الردّ، فإنه
يكون رداً
علمياً
أكاديمياً
هادئاً وعاقلاً
وهادفاً
وموجهاً الى
العقل
والمنطق.. وليس
رداً
غرائزياً
مخالفاً لكل
قواعد الحوار
التي قال بها
الإسلام.
ففي لقاء
صحافي لي مع
اذاعة
الفاتيكان
سألني المذيع:
كيف تفسر الاختلاف
بين لبنان
والعديد من
الدول
العربية والإسلامية
الأخرى من حيث
أسلوب
التعبير عن رد
الفعل على
محاضرة
البابا
بنديكتوس
السادس عشر؟..
كيف نفهم
الردّ الهادئ
في لبنان
والردّ
الصاخب في
الدول
الأخرى؟.
ربما كان
المذيع يتوقع
جواباً غير
الذي سمعه. إذ
أنني ما إن انتهيت
من الجواب حتى
مرت لحظات من
الصمت التي تعبر
عن مفاجأة
المذيع. لقد
قلت له بكل
بساطة إن هذه
الظاهرة هي
ثمرة من ثمار
شجرة
الاعتدال التي
غرسها الشهيد
رفيق الحريري
في المجتمع الإسلامي
في لبنان
والتي يسهر
عليها اليوم نجله
الشيخ سعد
الحريري.
فالاعتدال
القائم على
التمسك
بالثوابت
العقدية
الدينية وبالسماحة
والانفتاح
واحترام
الآخر في إطار
من المواطنة
المتكافئة
والحرص على
العيش المشترك،
لعبت الدور
الأساس في
بلورة رد فعل
إسلامي
لبناني لا
يخلو من
التعبير عن
عدم الرضى وحتى
عن القلق مما
ورد في محاضرة
البابا، ولكن
من دون أن
يلحق أي أذى
بالعلاقات
الإسلامية ـ
المسيحية على
المستوى
اللبناني أو
على المستوى العربي.
بل على
العكس كان رد
فعل مسلمي
لبنان (الذين
تألموا
كغيرهم من
مسلمي العالم
مما نُسب الى
البابا من
أقوال أو من
استقوال) يعكس
اهتماماً أكثر
وقلقاً أشدّ
بما يمكن أن
تعكسه هذه
الأقوال على
العلاقات
الإسلامية ـ
المسيحية
منها على
مضمون
المحاضرة
ذاتها.
لقد
علّمنا
القرآن
الكريم أن
"كلمة طيبة
كشجرة طيبة
أصلها ثابت
وفرعها في
السماء تؤتي
أكلها كل حين
بإذن ربها"..
وأن "كلمة
خبيثة كشجرة خبيثة
اجتثت من فوق
الأرض ما لها
من قرار".